عبر المحطات أتنقل حاملة جريدتي ترافقني بعض الحيرة .. أوجه بصري لصفحة الحوادث ، حروف سوداء تلتحف الحداد وفايات بالجملة وحوادث تقطع الشهية وتزيد من كمية الإحباط عندي .”مرهقة” لكن تلك الجريدة تغنيني عن المراقبة..أسترق النظر بين الفينة والأخرى ..أناس في عجلة من أمرهم يودعون عام مضى بجيوب خاوية … ويستقبلون عام أدراجه مقفلة …يتمنون لو يحمل لهم خصما لديون اثقلت كاهلهم،محشوة حقائبهم بألوان الفرح وأقنعة السعادة ليوهموا العام أنهم أوفياء للوقت ، للعمر الذي يمضي ولم يزدهم إلا سنا، يستهزئون من أنفسهم فالوقت أبدا لا يجاري المغفلين والإحتفال يكون من لحظة الإنجاز وليس ورقة يناصيب تحمل رقما يحمل الخيبة والسعادة على سطر واحد وبين الخيارين عليك أن تتحدى وتقوم بطقوس التهيأ لاستلام ورقة حظك الرابحة ،
أتوقف عن القراءة فقد تشوشت من سواد أتصفحه وسواد أرتديه وسواد في العمق لا يقرأه سواي …
تجهز الكل للنزول لا أحد يفكر في تغيير مساره عساه يلقى ما يبحث عنه فلا أحد أصبح يأمن على نفسه فالعالم بات غربة والوطن حدوده تنتهي عند معرفتك للأماكن …حتى الطيور التي رافقت الرحلة توقفت عند آخر محطة وكأنها أيضا أصبحت لا تأمن على نفسها من تخطي المجهول …
أجر حقيبتي التي كانت أخف من أفكاري المزدحمة فما أثقل الحروف عندما تقف في جوفنا بدلا من الصراخ على الورق ..صفحاتي لازالت عذراء فكم عليا أن أسيل من الحبر كي أصف هؤلاء المسافرين نحو احلامهم ..
أولاد يستمتعون بأول رحلة عبر القطار ..آخرون يقصدون عرافا أو منجما يصنع لهم تعويذة تعيد لهم السعادة التي لم يسرقها منهم أحد لكنها باتت لا تعرف لدروبهم مسلكا …وآخرون يشتاقون لذويهم يحملون لهم الهدايا بمناسبة العام الجديد …وحبيب يحفظ بعض كلمات الحب ليقرأها على حبيبته المتيمة … وآخرون يقتاتون بطلب الصدقة يلتمسون الشفقة من عيون المسافرين ليعودوا في المساء بقوت يومهم وكذا نحفظ ملامحم لنجدهم في نفس المكان مصرين على العيش مهما قست الظروف عليهم ..ومنهم من امتهنها كوسيلة سهلة لكسب العيش والاحتيال على جيوب الآخرين …مع كل هذا الزخم والضجيج المسيطر على افكاري لم أجد شيئا أفعله سوى التخطيط للكتابة بينما أظن أنه لم يكترث احد لوجودي ولم يفكر أحد أنه سيكون أحد أبطال قصتي ….
صفاء رحال